ابن ملقن

229

طبقات الأولياء

منهم ، فمشى في يومه فراسخ ، لا يعرج على أحد ، فانقطع من كان خلفه ، وبقي منهم قليل ، فالتفت إليهم وقال : كأني بكم قد جعتم وعطشتم ! فقالوا : نعم . فعدل بهم إلى دير فيه صومعة راهب ، فلما دخلوا أشرف الراهب على أصحابه ، وناداهم : أطعموا رهبان المسلمين ! فإن بهم قلة صبر على الجوع . فغضب من ذلك ، ورفع رأسه إليه ، وقال : أيها الراهب ! هل لك إلى خصلة نتبين بها الصابر والجازع ؟ قال : وما ذاك . قال : تنزل من صومعتك ، فتتناول من الطعام ما أحببت ، ثم تدخل معي بيتا ونغلق علينا الباب ، ويدلى لنا من الماء قدر ما نتطهر به ، فأول من يظهر جزعه ، ويستغيث من جوعه ، ويستفتح الباب ، يدخل في دين صاحبه كائنا من كان ، على أنني منذ ثلاث لم أذق ذواقا . قال الراهب : لك ذلك . فنزل من صومعته ، وأكل ما أحب وشرب ، ثم دخل مع أبي بكر بيتا ، وغلّق الباب عليهما ، والصوفية والرهبان يرصدونهما لا يسمع لهما حس أربعين يوما . فلما كان في اليوم الحادي والأربعين سمعوا حسحسة الباب ، وقد تعلق أحد به ففتحوا ، فإذا الراهب قد تلف جوعا وعطشا ، وإذا هو يستغيث بهم إشارة ، فأسقوه ، واتخذوا له حريرة ، فصبوها في حلقه ، والفرغاني ينظر إليهم . فلما رجعت إليه نفسه ، قال : أشهد ألا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه . ففرح الفرغاني بذلك ، وجعل يتكلم على من في الدير ، من النصارى ، حتى أسلموا عن آخرهم . وقدم بغداد ومعه الراهب ، ومن أسلم من أولئك النصارى . وقال الفرغاني : جاءتني مائة دينار من العراق ميراثا فجعلت أفرقها على المستورين ، فقالت لي زوجتي : تفرق هذه الدنانير ، وتردنا إلى الفقر ؟ ! ، فقلت : ما أبيع مذهبي بمائة دينار . قالت : فاجعل لابنك عشرين دينارا ، فإن عاش كانت له ، وإلا صارت لمن هي له ! . قال : فأعطيتها ما طلبت . ثم قدم على نفسان من إخواني ، فاشتغل قلبي بهما ، فأعطيتهما منها دينارين ، على أنى أرد بدلها ، وكنت أخذتها سرا منها ، فرأيت في المنام كأني